ابن عطية الأندلسي
325
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
راكب ، وهذه الرخصة في ضمنها بإجماع من العلماء أن يكون الإنسان حيث ما توجه من السماوات ، ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه . واختلف الناس كم يصلي من الركعات . فمالك رحمه اللّه وجماعة من العلماء لا يرون أن ينقص من عدد الركعات شيئا ، بل يصلي المسافر ركعتين ولا بد . وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : يصلي ركعة إيماء . وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : « فرض اللّه الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة » . وقال الضحاك بن مزاحم : « يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة ، فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين » ، وقال إسحاق بن راهويه : « فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه » ، ذكره ابن المنذر . واختلف المتأولون في قوله تعالى : فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ الآية ، فقالت فرقة : المعنى فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا اللّه بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات ، وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه ، وقالت فرقة : المعنى فإذا كنتم آمنين قبل أو بعد ، كأنه قال : فمتى كنتم على أمن فاذكروا اللّه ، أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها ، أي فصلوا كما علمكم صلاة تامة ، حكاه النقاش وغيره . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وقوله على هذا التأويل ما لَمْ تَكُونُوا بدل من « ما » التي في قوله كَما ، وإلا لم يتسق لفظ الآية ، وعلى التأويل الأول ما مفعولة ب عَلَّمَكُمْ ، وقال مجاهد : « معنى قوله فَإِذا أَمِنْتُمْ ، فإذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة » ، ورد الطبري على هذا القول ، وكذلك فيه تحويم على المعنى كثير ، والكاف في قوله كَما للتشبيه بين ذكر الإنسان للّه ونعمة اللّه عليه في أن تعادلا ، وكان الذكر شبيها بالنعمة في القدر وكفاء لها ، ومن تأول « اذكروا » بمعنى صلوا على ما ذكرناه فالكاف للتشبيه بين صلاة العبد والهيئة التي علمه اللّه . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 240 ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240 ) الَّذِينَ رفع بالابتداء ، والخبر في الجملة التي هي « وصية لأزواجهم » ، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر « وصية » بالرفع ، وذلك على وجهين : أحدهما الابتداء والخبر في الظرف الذي هو قوله لِأَزْواجِهِمْ ، ويحسن الابتداء بنكرة من حيث هو موضع تخصيص كما حسن أن يرتفع « سلام عليكم » ، وخير بين يديك ، وأمت في حجر لا فيك ، لأنها مواضع دعاء ، والوجه الآخر أن تضمر له خبرا تقدره ، فعليهم وصية لأزواجهم ، ويكون قوله لِأَزْواجِهِمْ صفة . قال الطبري : « قال بعض النحاة : المعنى كتبت عليهم وصية » ، قال : « وكذلك هي في قراءة عبد اللّه بن مسعود » ، وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر « وصية » بالنصب ، وذلك حمل على الفعل كأنه قال : ليوصوا وصية ، و لِأَزْواجِهِمْ